في الفترة الممتدة ما بين الحرب الامبريالية ( العالمية ) الثانية و حتى مطلع الستينات من القرن الماضي، استطاعت شعوب العالم الثالث بقيادة حركات التحرر الوطني، أن تنجزَ مرحلة التحرر من الاستعمار المباشر، و بدأت مشروعها في الاستقلال الاقتصادي، كل ذلك بالتحالف الوثيق مع الطبقة العاملة السوفياتية التي كانت ممسكة بزمام السلطة في الاتحاد السوفياتي من خلال حزبها الماركسي اللينيني. و كان هذا التحالف تجسيدا لنداء لينين الشهير " يا عمال العالم و يا أيتها الشعوب المضطهدة ... اتحدوا ! "
غير أن الوجه الآخر لهذا الانجاز تمثل في فك الارتباط بين المراكز الامبريالية و بلدان الأطراف، ما حرم المراكز الامبريالية من المكمل الحيوي لدورتها الاقتصادية حيث أن النظام الرأسمالي لا يمكن أن يعيش محصورا في مراكزه و سمته العالمية سمة أساسية لا حياة له بدونها، ما فاقم أزماته حتى وصل إلى مرحلة الاختناق في مطلع السبعينات. فبدأت علامات التأزم الداخلي في المراكز الامبريالية و نشطت الأحزاب و القوى اليسارية و الشيوعية لتلعب دورها : فرنسا ، إيطاليا ...
و كان لانتصار الثورة الصينية عقب الحرب الامبريالية الثانية دور حاسم أيضا في تغيير خارطة العالم السياسية ما أدى إلى تعزيز و تفعيل و تشجيع حركات التحرر الوطني في كافة أنحاء العالم برغم الانقلاب الذي نفذه خروتشوف على الطبقة العاملة في الاتحاد السوفياتي في النصف الثاني من عقد الخمسينات.
الثورة المضادة في خمسة مراحل:
1- إنقلاب خروتشوف على سلطة البروليتاريا السوفياتية و استيلاء عصابات الطبقة الوسطى على السلطة، و بالتالي فك عرى التحالف بين سلطة الطبقة العاملة السوفياتية و حركات التحرر الوطني العالمية.
2- المؤامرة الكبرى في تحويل الاقتصاد في العالم الثالث إلى اقتصاد استهلاك و إغراق دول العالم الثالث بالقروض الميسرة و السلع الزراعية و الصناعية زهيدة الأسعارما أوصل إلى تحطيم الركائز الاقتصادية الفتية و القضاء على محاولات الاستقلال الاقتصادي.
3- الاجاز نهائيا على الاتحاد السوفياتي على يد ورثة خروتشوف : غورباتشوف و أعوانه و فتح الطريق واسعا أمام الامبرياليين و خاصة الأمريكيين منهم للاستفراد بالعالم.
4- الهجوم المباشر و الشامل للامبريالية الأمريكية على شعوب العالم الثالث خاصة حيث مراكز الثقل الأساسية في الصراع و مواطن الثروات الطبيعية في أواسط آسيا و الوطن العربي وصولا إلى أوروبا الشرقية، في محاولة للقضاء على كل انتماء وطني أو قومي و بالتالي العمل على تفتيت الشعوب و جعلها أشلاء متناحرة و تعميم نموذج " التدمير الذاتي " بواسطة الحروب الأهلية المتنقلة.
إن أسوأ ما قدمت المرحلة السابقة، منذ سبعينات القرن الماضي و حتى اليوم ، هو صعود تلك الطبقة من رجال الدين من جميع الطوائف و المذاهب و الديانات في مجتمعاتنا البائسة، بكل ما أوتو من حصانة و دور سياسي و اجتماعي ملحق بالقوى المسيطرة ، هذه القوى المرتبطة مصلحيا و سياسيا و وظيفيا بالهيمنة الامبريالية و مشاريعها.لقد لعبت هذه الطبقة المفعمة بالفساد أقذر الأدوار في التحريض و بث روح الفرقة و العنصرية و الأحقاد التي كانت اللبنة التأسيسية لعمل الدعاية و الاعلام المعادي الذي يرمي إلى تفتيت المجتمعات و استفراد القوى الشعبية في معركة المواجهة المفترضة ضد المشاريع المقررة والتي يفترض تنفيذها على أجداث هذه المجتمعات نفسها.إن أحد أهم مهام الفكر الماركسي، اليوم ، أن يسقط كل حصانة أخلاقية عن هذه العصابة الفاسدة بمواجهتها سياسيا، و فضحها و تجريدها من هيبتها دون وجل أو خجل ... خاصة أنها في مجملها ، تمارس تماما عكس كل تعاليم الديانات التي تزعم أنها الناطقة الحصرية باسمها.
إن هذا العرض ينطبق تماما على بقعة مركزية في الصراع العالمي المتمثل في شقيه الامبريالي من جهة و الوطني – الماركسي من الجهة المقابلة ، هي إيران. ففي عز تحالف السلطة العمالية في الاتحاد السوفياتي مع شعوب العالم، تمكن الإيرانيون من تحقيق إنجازهم التاريخي في حكومة مصدق و الأكراد في جمهورية ماهاباد، و ما أن حل انقلاب خروتشوف حتى سقطت كلتا السلطتين و حل محلهما عميل الامبريالية رقم واحد محمد رضا بهلوي الكلب الأمين الحارس لمصالح الامبرياليين في وسط و غرب آسيا و خاصة منابع النفط. غير أن قوى التحرر الوطني لم تهدأ و لم تتوقف عن النضال رغم التنكيل و القهر و القتل و الاعتقال و النفي، استطاعت أن تهز ركائز نظام الشاه العميل و شارفت حركاتها السياسية الوطنية أن تجهز عليه. لقد خرجت الامبريالية تجر أذيال الهزيمة من فيتنام ! فلم يعد باستطاعتها تحمل هزيمة مماثلة في إيران حيث الشريان الحيوي الذي يزودها بالطاقة الضرورية للاستمرار، و لما كان احتياطيها من الطبقة الوسطى بقيادة رجال الدين ، جاهز للانقضاض، أعيد الخمينياللاجيء إلى فرنسا إلى طهران و تم التخلي التام عن نظام الشاه بشكل يثير الريبة و الشك، إفساحا في المجال لسيادة طبقة رجال الدين التي ستمحو عن الخارطة الإيرانية آخر معاقل القوى الوطنية و الثورية... ظنا من الامبرياليين أن في ذلك إراحة لهم من انفكاك كامل لإيران عنهم .
و ما لبثت الثورة الإيرانية بقيلدة الخميني و طبقة رجال الدين أن استهوت شرائح واسعة في مختلف أنحاء العالم الثالث لما قدمته من نموذج " معاد " للامبريالية و محاولة لتجسيد الاستقلال عنها سياسيا و اقتصاديا ... فما كان من الامبرياليين و أدواتهم في الخليج العربي إلا أن دفعوا ديكتاتور العراق إلى حرب مديدة مع الثورة الاسلامية الصاعدة لتحطيم نموذجها و إطفاء بريقها الذي أرعبهم ، فكانت الحرب العراقية الإيرانية بقرار إمبريالي و بأموال عربية محكومة بالقرار الامبريالي و بأدوات عراقية!
لقد مثلت إيران ما بعد الشاه شكلا من أشكال الاستقلال " الوطني " و الاقتصادي عن الامبريالية ضمن ما أمكن من توازنات و تسويات إلى أن أنهت كل ما هو ثوري و ماركسي و هكذا تحولت إيران إلى جمهورية ملالي يحكمها طبقة من رجال الدين.
...................................................................................................................
لقد استطاعت الامبريالية ، بما امتلكت من مقدرات الشعوب و ما نهبت من ثروات العالم التي هي ملك ، ليس فقط لجميع شعوب العالم، بل أيضا للأجيال المتعاقبة من بني البشر على هذا الكوكب، استطاعت أن تطور شبكات من المعلومات مكنتها أن تتحكم ، ليس فقط بأنظمتنا السياسية و الاقتصادية ، و ليس في التوجيه الاعلامي و السلوك الاقتصادي للبشر، بل مكنتها أن تتحكم بالعقائد أو بالبغرائز ، الدينية للشعوب... فهي هندوسية في الهند ، بوذية في الصين ، كاثوليكية في بولندا و أوروبا الشرقية، مسلمة في البوسنة و الهرسك، مسيحية في تيمور الشرقية و مسلمة مجاهدة في أفغانستان إبان وجود الاتحاد السوفياتي .... سنية في لبنان و شيعية في العراق اليوم ...
لقد مارست الامبريالية هذه السياسة في كل أنحاء العالم عبر آلاف من وسائل الاعلام المرئية و المسموعة و المكتوبة، التي تمتلكها مباشرة أو بواسطة أدواتها المحليين ناهيك عن نشاطات أجهزة الاستخبارات المنتشرة في جميع أنحاء العالم خاصة بعد أن سلم حكام العالم الثالث مقاليد الأمور جميعا ...
و عليه، فقد وجد الامبرياليون في الأيديولوجيا الدينية المتطرفة و الظلامية ضالتهم المنشودة حيث لا نقاش و لا حوار ... في ظل المقدسات و المحرمات ... و هكذا أُسس جيش للمجاهدين في أفغانستان الشيوعية ، على أيدي الاستخبارات المركزية الأمريكية و بأموال و عناصر خليجية و عربية و من مختلف أنحاء العالم ، جيشتهم الامبريالية تحت شعار الدفاع عن الاسلام في وجه الغزوة الشيوعية الملحدة و دربتهم و أمنت لهم كافة ما يلزم من وسائل و دعم مادي و معنوي و امتداد داخلي و خارجي في سبيل دحر الوجود السوفياتي من أفغانستان.
لست هنا في مجال الدفاع عن الوجود السوفياتي في أفغانستان، و هو من وجة نظري وجود خاطئ. بل أمام محاولة لتفسير التحرك الامبريالي الذي يحاول تسخير كل شيء بما في ذلك العقائد الدينية لتحقيق أهداف النظام الرأسمالي عالميا و إطالة عمره أطول مدة ممكنة من الزمن.
لقد علمتنا التجارب أن الامبريالية الرأسمالية تصنع أدواتها، تستعملهم في أقذر الأدوار ، ثم تلقي بهم في سلة المهملات . هكذا فعلت مع شاه إيران و هكذا فعلت مع التنظيمات الجهادية التي صنعتها لمواجهة الشيوعية في العالم. لقد شعرت منظمة القاعدة بدنو أجلها على يد صانعيها منذ اليوم الأول الذي غادر فيه السوفيات أرض أفقغانستان . أخذت تتهيأ لمواجهة عنيفة ، و كانت العمليات الجهادية هذه المرة بالاتجاه المعاكس ...
و إذا شكلت هجمات 11 أيلول في نيويورك و واشنطن علامة فارقة من حيث التحول الكبير في طريقة الهجمة الامبريالية على شعوب العالم الفقيرة المضطهدة فتحولت إلى شن الحروب المدمرة الوحشية و الدموية وصولا إلى احتلال أفغانستان و العراق و تدمير الكيان السياسي و الوطني خاصة في العراق بشكل شبه كامل و افتعال الحروب الأهلية الدموية المدمرة لكل شيء في هذين البلدين و كذلك في الصومال و السودان و حتى في فلسطين تحت الاحتلال ... كما و جعل الوضع اللبناني على شفير حرب أهلية تهدده و لا يسلم من تهديدها لا مصر و لا دول الخليج التي عليها إما التزام حرفية التعليمات الأمريكية أو ... فالعصا فوق الرؤوس .... غير أن هذه الهجمة كانت قد بدأت قبل ذلك بزمن و بتوقيت حدده الأمريكيون مع حليفهم غورباتشوف ( الذي ما أن أدى دوره المطلوب حتى أكله الذئب ....! ) مباشرة بعد توقف الحرب العراقية الإيرانية و حل الاتحاد السوفياتي و بالتالي غزو الكويت و انتشار جحافل و أساطيل القوات الامبريالية في بحار المنطقة العربية من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر إلى بحر العرب و خليج عمان و الخليج العربي و في القواعد الثابتة التي استحدثت حيث أمكن ... ثم ما سمي ب " حرب تحرير الكويت " التي كانت البداية الحقيقية للهجوم الشامل للسيطرة المباشرة على المنطقة.
إن ارتفاع وتيرة الصراع الامبريالي – الوطني في منطقتنا وصولا إلى الاجتياحات و الحروب الطاحنة المدمرة و الدموية و إشاعة الحروب الأهلية الكامنة و المتفجرة هنا و هناك،حرف الأنظار عن وجه آخر لهذا الصراع المتمثل بالصراع العربي الصهيوني ، حيث عُهد للكيان الصهيوني تصفية ذيول هذا الصراع بعد أن " تعبَ " الملوك و الرؤساء العرب منه ، فكان الاجتاح الكبير للبنان عام 1982 و احتلال العاصمة بيروت على مرآى من جميع العواصم ... و كان تحطيم البنية الكفاحية لمنظمة التحرير الفلسطينية حيث أخرجت قيادتها من لبنان بتواطؤ عربي امبريالي صهيوني ما كشف تماما القوى الوطنية اللبنانية و جعلها عرضة للتصفية في الوقت الذي ارتفعت فيه وطأة الانقسامات الطائفية ...
و كانت انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ( جمول ) في وجه الاحتلال الصهيوني و أدواته في الداخل عنوانا عريضا لمرحلة بأكملها كان يفترض أن تعيد صياغة قواعد الصراع خارجيا و داخليا ...
غير أن ضرورات الأنظمة العربية و لعبة امتلاك أوراق المساومة على الحلول في الصراع العربي الاسرائيلي لعب دور المؤامرة الأسوأ حيث جرد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية من أسلحتها المادية و المعنوية و دفع ما سمي " المقاومة الإسلامية " التي تابعت المسيرة ضد الاحتلال إلى الواجهة .
لقد حققت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ( جمول ) إنجازات هامة أدت إلى دحر الاحتلال الصهيوني إلى ما وراء الأولي ثم إلى ما وراء الليطاني ، غير أن صعود " المقاومة الاسلامية " و تجريد جمول من دورها بتواطئ داخلي و إقليمي جمد عملها إلى حد بعيد .
صحيح أن المقاومة الاسلامية حققت الانجاز الأهم في دحر الاحتلال الصهيوني نهائيا من لبنان تقريبا ، غير أن ذلك جاء ضمن معادلة إقليمية و ضمن خارطة سياسية دولية و إقليمية معينة، ثم أن طابعها المذهبي جعل مهمة المقاومة على الصعيد التغيير الوطني الداخلي و القومي مهمة مستحيلة في ظل التحريض المذهبي و الديني الذي يشكل العلامة المميزية لتحوير الصراع في هذه المرحلة و الذي لا يمكن عزل أي مما له طابع ديني أو مذهبي عنه حتى لو اتسم بسمة المقاومة المحررة و لو حقق إنتصارات مجيدة عجز " العرب " عن تحقيق شبيه لها من قبل أيما عجز ...!
أما على الصعيد الفلسطيني ، فبعد أن ضُربت منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان على أيدي الصهاينة و النظام السوري و الأنظمة العربية الأخرى ، و بعد الضربة التي تلقاها العراق في حرب " عاصفة الصحراء " و الحصار الذي أطبق عليه ، و الانقياد الأعمى للأنظمة العربية ( التي فقدت كل شرعية وطنية و شعبية ولم يعد لها أي مبرر للاستمرار غير الرضى الامبريالي ) للامبريالية الصهيونية ، تمّ جر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى مدريد ثم إلى أوسلو للتوقيع على وثائق الاستسلام ... ثم جاءت الاتفاقيات التراجعية الواحدة بعد الأخرى مع الكيان الصهيوني حيث كان في كل مرة يتنصل مما وقع عليه في المرة السابقة ليحصل على مزيد من التنازلات في المرة اللاحقة ... إلى أن جاءت الانتفاضة التي تجاوزت القيادة الرسمية ، تلك التي نخرها الفساد حتى العظم ... و كان أن ( بعد أن استـُنفدت القوى الوطنية حتى آخرها ) صعدت إلى السطح حركات جهادية على رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس لتلاقي كلا من القوى الدينية الإسلامية في إيران و لبنان كبديل جديد لحركات التحرر الوطني التي أخلت ، عمليا ، الساحة ...
....................................................................................................................
لقد كان لنسف الصناعات الوطنية في بلدان العالم الثالث أثر مدمر ليس فقط على الاقتصادات النامية بل على الطبقة العاملة الناشئة.
مثلا ، و رغم صغر الاقتصاد اللبناني فقد شهد في عقد الستينات و مطلع السبعينات نموا كبيرا للقطاع الصناعي لا يمكن تجاهله : لقد عجت ضواحي بيروت و مناطق الجبل و البقاع و الشمال و الجنوب بمئات المصانع : مصانع الغزل و النسيج و الألبسة و السجاد والمفروشات و الأحذية و الجلود و الأدوية و المعادن المختلفة ... الحديد ...و الأدوات المنزلية و الكهربائية و الزجاج والمواد الغذائية و الأسمدة و المشروبات على اختلافها ... ما أسفر عن وجود حقيقي لطبقة عمال صناعيين شكلت منظماتها النقابية المستقلة و كان للحزب الشيوعي اللبناني و القوى الماركسية و اليسارية الدور الأبرز في تنظيمها و قيادتها. صحيح أن الحرب الأهلية في النصف الثاني من عقد السبعينات و ما بعده و الاجتياح الصهيوني قد وجها ضربة قاسية و مدمرة لهذا القطاع، غير أن السبب الحقيقي لعدم عودة النهضة إليه يكمن في المشروع الذي عمم على بلدان العالم الثالث بالاجمال من قبل المراكز الامبريالية بدءً من عام 1974 كما ذكرت آنفا و الذي أدى إلى دمار القطاعات الرأسمالية الصناعية الوطنية و بالتالي اقتصاديات هذه البلدان.
إن تحول الرأسمالية الوطنية في بلدان العالم الثالث إلى قطاع كمبرادوري مرتبط بالمراكز الرأسمالية و بالتالي التخلي عن دورها الريادي في الاستقلالين الوطني و الاقتصادي و بالتالي التراجع الحاد للصناعات الوطنية المستقلة، ( غير التحويلية المرتبطة خارجيا ) أدى إلى ضمور الطبقة العاملة الصناعية في غالبية بلدان العالم الثالث خلال ربع قرن من الزمن ، مضافا على الحروب الأهلية المدمرة التي اجتاحت العديد منها و انهيار الكتلة الشرقية بعد تخليها عن دورها الريادي في الثورة العالمية، كل ذلك حول الأحزاب الشيوعية و اليسارية هناك إلى هياكل فارغة و جنبات مهجورة تردد صدى الأيام الخوالي ، باستثناء الحزب الشيوعي اللبناني الذي ملأ فراغَه خيارُه النضالي في إطلاق جبهة المقاومة اللبنانية ( جمول ) ضد الاحتلال الصهيوني . و لولا هذا الخيار الوطني المقاوم لما بقي للحزب الشيوعي اللبناني من ظل.
في ظل هذا كله ، و في مواجهة انتشار الأيديولوجيا الدينية المتطرفة و الظلامية ، ظهر إلى السطح فكر الطبقة الوسطى الليبرالي البرغماتي المستجد كبديل " وحيد " متاح للفكر الديني الظلامي الرجعي بعد تراجع الحماس للفكر الماركسي العلمي إلى درجاته الدنيا خاصة في ظل دعاية كبرى رافقت هذا و ذاك عبر مئات محطات التلفزة التي انتشرت عبر الأقمار الصناعية وكذلك عبر مئات وسائل الإعلام المسموعة و المكتوبة المدارة إما مباشرة أو غير مباشرة من قبل الامبرياليين و أدواتهم . ما أفسح المجال إلى ما بدا و كأنه النقيضان العمليان على الساحة : القوى الليبرالية المرتبطة بالامبريالية من جهة و القوى الدينية السلفية الظلامية المستهدفة من الامبريالية بشكل واسع و وحشي و في كل الساحات الممتدة من المغرب العربي إلى القرن الأفريقي و السودان و مصر إلى فلسطين و لبنان و الجزيرة العربية و الآن العراق وصولا إلى أواسط آسيا و و جنوب شرقيّها، من جهة أخرى.
لقد استطاعت الامبريالية – الصهيونية في المنطقة العربية خصوصا ، و بواسطة أدواتها الاستخبارية المتطورة و إدارتها شبه الشاملة لوسائل الاعلام و من خلال الاحتلال المباشر، استطاعت أن تخلق على هامش ما ذكرت من تناقض، تناقضات دينية و مذهبية و إثنية لا علاقة لها لا بالسياسة و لا بالاقتصاد ، تناقضات و صراعات دموية و حروب أهلية داخل الأطر الوطنية القائمة الهدف منها مزيد من التفتيت و إشاعة نموذج " التدمير الذاتي " بديلا من " التطور الذاتي " الذي كان يحلم و يناضل من أجله مجمل المجتمعات في بلدان العالم الثالث طوال ستة عقود .
لقد عانت أفريقيا السمراء خلال نفس المدة من الزمن ما لم تعانه أية مجتمعات بشرية طوال تاريخها ... فمن استعمار مباشر إلى نهب لثرواتها الطبيعية إلى تأجيج للحروب الأهلية الشرسة التي شهدت مئات المجازر الجماعية و دمارا ماحقا إلى كوارث طبيعية و مجاعات لم يعرها العالم أي اهتمام. لقد مارست الاستخبارات الامبريالية – الصهيونية أقذر الأدوار في إشاعة الفوضى و الاضطراب في تلك القارة ، ربما ثأرا منها لوقوف مختلف دولها الناشئة في خانة دول عدم الانحياز و إلى جانب الحق العربي في الصراع العربي الصهيوني منذ مطلع سبعينات القرن الماضي.
غير أن الوجه الآخر لهذا الانجاز تمثل في فك الارتباط بين المراكز الامبريالية و بلدان الأطراف، ما حرم المراكز الامبريالية من المكمل الحيوي لدورتها الاقتصادية حيث أن النظام الرأسمالي لا يمكن أن يعيش محصورا في مراكزه و سمته العالمية سمة أساسية لا حياة له بدونها، ما فاقم أزماته حتى وصل إلى مرحلة الاختناق في مطلع السبعينات. فبدأت علامات التأزم الداخلي في المراكز الامبريالية و نشطت الأحزاب و القوى اليسارية و الشيوعية لتلعب دورها : فرنسا ، إيطاليا ...
و كان لانتصار الثورة الصينية عقب الحرب الامبريالية الثانية دور حاسم أيضا في تغيير خارطة العالم السياسية ما أدى إلى تعزيز و تفعيل و تشجيع حركات التحرر الوطني في كافة أنحاء العالم برغم الانقلاب الذي نفذه خروتشوف على الطبقة العاملة في الاتحاد السوفياتي في النصف الثاني من عقد الخمسينات.
الثورة المضادة في خمسة مراحل:
1- إنقلاب خروتشوف على سلطة البروليتاريا السوفياتية و استيلاء عصابات الطبقة الوسطى على السلطة، و بالتالي فك عرى التحالف بين سلطة الطبقة العاملة السوفياتية و حركات التحرر الوطني العالمية.
2- المؤامرة الكبرى في تحويل الاقتصاد في العالم الثالث إلى اقتصاد استهلاك و إغراق دول العالم الثالث بالقروض الميسرة و السلع الزراعية و الصناعية زهيدة الأسعارما أوصل إلى تحطيم الركائز الاقتصادية الفتية و القضاء على محاولات الاستقلال الاقتصادي.
3- الاجاز نهائيا على الاتحاد السوفياتي على يد ورثة خروتشوف : غورباتشوف و أعوانه و فتح الطريق واسعا أمام الامبرياليين و خاصة الأمريكيين منهم للاستفراد بالعالم.
4- الهجوم المباشر و الشامل للامبريالية الأمريكية على شعوب العالم الثالث خاصة حيث مراكز الثقل الأساسية في الصراع و مواطن الثروات الطبيعية في أواسط آسيا و الوطن العربي وصولا إلى أوروبا الشرقية، في محاولة للقضاء على كل انتماء وطني أو قومي و بالتالي العمل على تفتيت الشعوب و جعلها أشلاء متناحرة و تعميم نموذج " التدمير الذاتي " بواسطة الحروب الأهلية المتنقلة.
إن أسوأ ما قدمت المرحلة السابقة، منذ سبعينات القرن الماضي و حتى اليوم ، هو صعود تلك الطبقة من رجال الدين من جميع الطوائف و المذاهب و الديانات في مجتمعاتنا البائسة، بكل ما أوتو من حصانة و دور سياسي و اجتماعي ملحق بالقوى المسيطرة ، هذه القوى المرتبطة مصلحيا و سياسيا و وظيفيا بالهيمنة الامبريالية و مشاريعها.لقد لعبت هذه الطبقة المفعمة بالفساد أقذر الأدوار في التحريض و بث روح الفرقة و العنصرية و الأحقاد التي كانت اللبنة التأسيسية لعمل الدعاية و الاعلام المعادي الذي يرمي إلى تفتيت المجتمعات و استفراد القوى الشعبية في معركة المواجهة المفترضة ضد المشاريع المقررة والتي يفترض تنفيذها على أجداث هذه المجتمعات نفسها.إن أحد أهم مهام الفكر الماركسي، اليوم ، أن يسقط كل حصانة أخلاقية عن هذه العصابة الفاسدة بمواجهتها سياسيا، و فضحها و تجريدها من هيبتها دون وجل أو خجل ... خاصة أنها في مجملها ، تمارس تماما عكس كل تعاليم الديانات التي تزعم أنها الناطقة الحصرية باسمها.
إن هذا العرض ينطبق تماما على بقعة مركزية في الصراع العالمي المتمثل في شقيه الامبريالي من جهة و الوطني – الماركسي من الجهة المقابلة ، هي إيران. ففي عز تحالف السلطة العمالية في الاتحاد السوفياتي مع شعوب العالم، تمكن الإيرانيون من تحقيق إنجازهم التاريخي في حكومة مصدق و الأكراد في جمهورية ماهاباد، و ما أن حل انقلاب خروتشوف حتى سقطت كلتا السلطتين و حل محلهما عميل الامبريالية رقم واحد محمد رضا بهلوي الكلب الأمين الحارس لمصالح الامبرياليين في وسط و غرب آسيا و خاصة منابع النفط. غير أن قوى التحرر الوطني لم تهدأ و لم تتوقف عن النضال رغم التنكيل و القهر و القتل و الاعتقال و النفي، استطاعت أن تهز ركائز نظام الشاه العميل و شارفت حركاتها السياسية الوطنية أن تجهز عليه. لقد خرجت الامبريالية تجر أذيال الهزيمة من فيتنام ! فلم يعد باستطاعتها تحمل هزيمة مماثلة في إيران حيث الشريان الحيوي الذي يزودها بالطاقة الضرورية للاستمرار، و لما كان احتياطيها من الطبقة الوسطى بقيادة رجال الدين ، جاهز للانقضاض، أعيد الخمينياللاجيء إلى فرنسا إلى طهران و تم التخلي التام عن نظام الشاه بشكل يثير الريبة و الشك، إفساحا في المجال لسيادة طبقة رجال الدين التي ستمحو عن الخارطة الإيرانية آخر معاقل القوى الوطنية و الثورية... ظنا من الامبرياليين أن في ذلك إراحة لهم من انفكاك كامل لإيران عنهم .
و ما لبثت الثورة الإيرانية بقيلدة الخميني و طبقة رجال الدين أن استهوت شرائح واسعة في مختلف أنحاء العالم الثالث لما قدمته من نموذج " معاد " للامبريالية و محاولة لتجسيد الاستقلال عنها سياسيا و اقتصاديا ... فما كان من الامبرياليين و أدواتهم في الخليج العربي إلا أن دفعوا ديكتاتور العراق إلى حرب مديدة مع الثورة الاسلامية الصاعدة لتحطيم نموذجها و إطفاء بريقها الذي أرعبهم ، فكانت الحرب العراقية الإيرانية بقرار إمبريالي و بأموال عربية محكومة بالقرار الامبريالي و بأدوات عراقية!
لقد مثلت إيران ما بعد الشاه شكلا من أشكال الاستقلال " الوطني " و الاقتصادي عن الامبريالية ضمن ما أمكن من توازنات و تسويات إلى أن أنهت كل ما هو ثوري و ماركسي و هكذا تحولت إيران إلى جمهورية ملالي يحكمها طبقة من رجال الدين.
...................................................................................................................
لقد استطاعت الامبريالية ، بما امتلكت من مقدرات الشعوب و ما نهبت من ثروات العالم التي هي ملك ، ليس فقط لجميع شعوب العالم، بل أيضا للأجيال المتعاقبة من بني البشر على هذا الكوكب، استطاعت أن تطور شبكات من المعلومات مكنتها أن تتحكم ، ليس فقط بأنظمتنا السياسية و الاقتصادية ، و ليس في التوجيه الاعلامي و السلوك الاقتصادي للبشر، بل مكنتها أن تتحكم بالعقائد أو بالبغرائز ، الدينية للشعوب... فهي هندوسية في الهند ، بوذية في الصين ، كاثوليكية في بولندا و أوروبا الشرقية، مسلمة في البوسنة و الهرسك، مسيحية في تيمور الشرقية و مسلمة مجاهدة في أفغانستان إبان وجود الاتحاد السوفياتي .... سنية في لبنان و شيعية في العراق اليوم ...
لقد مارست الامبريالية هذه السياسة في كل أنحاء العالم عبر آلاف من وسائل الاعلام المرئية و المسموعة و المكتوبة، التي تمتلكها مباشرة أو بواسطة أدواتها المحليين ناهيك عن نشاطات أجهزة الاستخبارات المنتشرة في جميع أنحاء العالم خاصة بعد أن سلم حكام العالم الثالث مقاليد الأمور جميعا ...
و عليه، فقد وجد الامبرياليون في الأيديولوجيا الدينية المتطرفة و الظلامية ضالتهم المنشودة حيث لا نقاش و لا حوار ... في ظل المقدسات و المحرمات ... و هكذا أُسس جيش للمجاهدين في أفغانستان الشيوعية ، على أيدي الاستخبارات المركزية الأمريكية و بأموال و عناصر خليجية و عربية و من مختلف أنحاء العالم ، جيشتهم الامبريالية تحت شعار الدفاع عن الاسلام في وجه الغزوة الشيوعية الملحدة و دربتهم و أمنت لهم كافة ما يلزم من وسائل و دعم مادي و معنوي و امتداد داخلي و خارجي في سبيل دحر الوجود السوفياتي من أفغانستان.
لست هنا في مجال الدفاع عن الوجود السوفياتي في أفغانستان، و هو من وجة نظري وجود خاطئ. بل أمام محاولة لتفسير التحرك الامبريالي الذي يحاول تسخير كل شيء بما في ذلك العقائد الدينية لتحقيق أهداف النظام الرأسمالي عالميا و إطالة عمره أطول مدة ممكنة من الزمن.
لقد علمتنا التجارب أن الامبريالية الرأسمالية تصنع أدواتها، تستعملهم في أقذر الأدوار ، ثم تلقي بهم في سلة المهملات . هكذا فعلت مع شاه إيران و هكذا فعلت مع التنظيمات الجهادية التي صنعتها لمواجهة الشيوعية في العالم. لقد شعرت منظمة القاعدة بدنو أجلها على يد صانعيها منذ اليوم الأول الذي غادر فيه السوفيات أرض أفقغانستان . أخذت تتهيأ لمواجهة عنيفة ، و كانت العمليات الجهادية هذه المرة بالاتجاه المعاكس ...
و إذا شكلت هجمات 11 أيلول في نيويورك و واشنطن علامة فارقة من حيث التحول الكبير في طريقة الهجمة الامبريالية على شعوب العالم الفقيرة المضطهدة فتحولت إلى شن الحروب المدمرة الوحشية و الدموية وصولا إلى احتلال أفغانستان و العراق و تدمير الكيان السياسي و الوطني خاصة في العراق بشكل شبه كامل و افتعال الحروب الأهلية الدموية المدمرة لكل شيء في هذين البلدين و كذلك في الصومال و السودان و حتى في فلسطين تحت الاحتلال ... كما و جعل الوضع اللبناني على شفير حرب أهلية تهدده و لا يسلم من تهديدها لا مصر و لا دول الخليج التي عليها إما التزام حرفية التعليمات الأمريكية أو ... فالعصا فوق الرؤوس .... غير أن هذه الهجمة كانت قد بدأت قبل ذلك بزمن و بتوقيت حدده الأمريكيون مع حليفهم غورباتشوف ( الذي ما أن أدى دوره المطلوب حتى أكله الذئب ....! ) مباشرة بعد توقف الحرب العراقية الإيرانية و حل الاتحاد السوفياتي و بالتالي غزو الكويت و انتشار جحافل و أساطيل القوات الامبريالية في بحار المنطقة العربية من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر إلى بحر العرب و خليج عمان و الخليج العربي و في القواعد الثابتة التي استحدثت حيث أمكن ... ثم ما سمي ب " حرب تحرير الكويت " التي كانت البداية الحقيقية للهجوم الشامل للسيطرة المباشرة على المنطقة.
إن ارتفاع وتيرة الصراع الامبريالي – الوطني في منطقتنا وصولا إلى الاجتياحات و الحروب الطاحنة المدمرة و الدموية و إشاعة الحروب الأهلية الكامنة و المتفجرة هنا و هناك،حرف الأنظار عن وجه آخر لهذا الصراع المتمثل بالصراع العربي الصهيوني ، حيث عُهد للكيان الصهيوني تصفية ذيول هذا الصراع بعد أن " تعبَ " الملوك و الرؤساء العرب منه ، فكان الاجتاح الكبير للبنان عام 1982 و احتلال العاصمة بيروت على مرآى من جميع العواصم ... و كان تحطيم البنية الكفاحية لمنظمة التحرير الفلسطينية حيث أخرجت قيادتها من لبنان بتواطؤ عربي امبريالي صهيوني ما كشف تماما القوى الوطنية اللبنانية و جعلها عرضة للتصفية في الوقت الذي ارتفعت فيه وطأة الانقسامات الطائفية ...
و كانت انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ( جمول ) في وجه الاحتلال الصهيوني و أدواته في الداخل عنوانا عريضا لمرحلة بأكملها كان يفترض أن تعيد صياغة قواعد الصراع خارجيا و داخليا ...
غير أن ضرورات الأنظمة العربية و لعبة امتلاك أوراق المساومة على الحلول في الصراع العربي الاسرائيلي لعب دور المؤامرة الأسوأ حيث جرد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية من أسلحتها المادية و المعنوية و دفع ما سمي " المقاومة الإسلامية " التي تابعت المسيرة ضد الاحتلال إلى الواجهة .
لقد حققت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ( جمول ) إنجازات هامة أدت إلى دحر الاحتلال الصهيوني إلى ما وراء الأولي ثم إلى ما وراء الليطاني ، غير أن صعود " المقاومة الاسلامية " و تجريد جمول من دورها بتواطئ داخلي و إقليمي جمد عملها إلى حد بعيد .
صحيح أن المقاومة الاسلامية حققت الانجاز الأهم في دحر الاحتلال الصهيوني نهائيا من لبنان تقريبا ، غير أن ذلك جاء ضمن معادلة إقليمية و ضمن خارطة سياسية دولية و إقليمية معينة، ثم أن طابعها المذهبي جعل مهمة المقاومة على الصعيد التغيير الوطني الداخلي و القومي مهمة مستحيلة في ظل التحريض المذهبي و الديني الذي يشكل العلامة المميزية لتحوير الصراع في هذه المرحلة و الذي لا يمكن عزل أي مما له طابع ديني أو مذهبي عنه حتى لو اتسم بسمة المقاومة المحررة و لو حقق إنتصارات مجيدة عجز " العرب " عن تحقيق شبيه لها من قبل أيما عجز ...!
أما على الصعيد الفلسطيني ، فبعد أن ضُربت منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان على أيدي الصهاينة و النظام السوري و الأنظمة العربية الأخرى ، و بعد الضربة التي تلقاها العراق في حرب " عاصفة الصحراء " و الحصار الذي أطبق عليه ، و الانقياد الأعمى للأنظمة العربية ( التي فقدت كل شرعية وطنية و شعبية ولم يعد لها أي مبرر للاستمرار غير الرضى الامبريالي ) للامبريالية الصهيونية ، تمّ جر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى مدريد ثم إلى أوسلو للتوقيع على وثائق الاستسلام ... ثم جاءت الاتفاقيات التراجعية الواحدة بعد الأخرى مع الكيان الصهيوني حيث كان في كل مرة يتنصل مما وقع عليه في المرة السابقة ليحصل على مزيد من التنازلات في المرة اللاحقة ... إلى أن جاءت الانتفاضة التي تجاوزت القيادة الرسمية ، تلك التي نخرها الفساد حتى العظم ... و كان أن ( بعد أن استـُنفدت القوى الوطنية حتى آخرها ) صعدت إلى السطح حركات جهادية على رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس لتلاقي كلا من القوى الدينية الإسلامية في إيران و لبنان كبديل جديد لحركات التحرر الوطني التي أخلت ، عمليا ، الساحة ...
....................................................................................................................
لقد كان لنسف الصناعات الوطنية في بلدان العالم الثالث أثر مدمر ليس فقط على الاقتصادات النامية بل على الطبقة العاملة الناشئة.
مثلا ، و رغم صغر الاقتصاد اللبناني فقد شهد في عقد الستينات و مطلع السبعينات نموا كبيرا للقطاع الصناعي لا يمكن تجاهله : لقد عجت ضواحي بيروت و مناطق الجبل و البقاع و الشمال و الجنوب بمئات المصانع : مصانع الغزل و النسيج و الألبسة و السجاد والمفروشات و الأحذية و الجلود و الأدوية و المعادن المختلفة ... الحديد ...و الأدوات المنزلية و الكهربائية و الزجاج والمواد الغذائية و الأسمدة و المشروبات على اختلافها ... ما أسفر عن وجود حقيقي لطبقة عمال صناعيين شكلت منظماتها النقابية المستقلة و كان للحزب الشيوعي اللبناني و القوى الماركسية و اليسارية الدور الأبرز في تنظيمها و قيادتها. صحيح أن الحرب الأهلية في النصف الثاني من عقد السبعينات و ما بعده و الاجتياح الصهيوني قد وجها ضربة قاسية و مدمرة لهذا القطاع، غير أن السبب الحقيقي لعدم عودة النهضة إليه يكمن في المشروع الذي عمم على بلدان العالم الثالث بالاجمال من قبل المراكز الامبريالية بدءً من عام 1974 كما ذكرت آنفا و الذي أدى إلى دمار القطاعات الرأسمالية الصناعية الوطنية و بالتالي اقتصاديات هذه البلدان.
إن تحول الرأسمالية الوطنية في بلدان العالم الثالث إلى قطاع كمبرادوري مرتبط بالمراكز الرأسمالية و بالتالي التخلي عن دورها الريادي في الاستقلالين الوطني و الاقتصادي و بالتالي التراجع الحاد للصناعات الوطنية المستقلة، ( غير التحويلية المرتبطة خارجيا ) أدى إلى ضمور الطبقة العاملة الصناعية في غالبية بلدان العالم الثالث خلال ربع قرن من الزمن ، مضافا على الحروب الأهلية المدمرة التي اجتاحت العديد منها و انهيار الكتلة الشرقية بعد تخليها عن دورها الريادي في الثورة العالمية، كل ذلك حول الأحزاب الشيوعية و اليسارية هناك إلى هياكل فارغة و جنبات مهجورة تردد صدى الأيام الخوالي ، باستثناء الحزب الشيوعي اللبناني الذي ملأ فراغَه خيارُه النضالي في إطلاق جبهة المقاومة اللبنانية ( جمول ) ضد الاحتلال الصهيوني . و لولا هذا الخيار الوطني المقاوم لما بقي للحزب الشيوعي اللبناني من ظل.
في ظل هذا كله ، و في مواجهة انتشار الأيديولوجيا الدينية المتطرفة و الظلامية ، ظهر إلى السطح فكر الطبقة الوسطى الليبرالي البرغماتي المستجد كبديل " وحيد " متاح للفكر الديني الظلامي الرجعي بعد تراجع الحماس للفكر الماركسي العلمي إلى درجاته الدنيا خاصة في ظل دعاية كبرى رافقت هذا و ذاك عبر مئات محطات التلفزة التي انتشرت عبر الأقمار الصناعية وكذلك عبر مئات وسائل الإعلام المسموعة و المكتوبة المدارة إما مباشرة أو غير مباشرة من قبل الامبرياليين و أدواتهم . ما أفسح المجال إلى ما بدا و كأنه النقيضان العمليان على الساحة : القوى الليبرالية المرتبطة بالامبريالية من جهة و القوى الدينية السلفية الظلامية المستهدفة من الامبريالية بشكل واسع و وحشي و في كل الساحات الممتدة من المغرب العربي إلى القرن الأفريقي و السودان و مصر إلى فلسطين و لبنان و الجزيرة العربية و الآن العراق وصولا إلى أواسط آسيا و و جنوب شرقيّها، من جهة أخرى.
لقد استطاعت الامبريالية – الصهيونية في المنطقة العربية خصوصا ، و بواسطة أدواتها الاستخبارية المتطورة و إدارتها شبه الشاملة لوسائل الاعلام و من خلال الاحتلال المباشر، استطاعت أن تخلق على هامش ما ذكرت من تناقض، تناقضات دينية و مذهبية و إثنية لا علاقة لها لا بالسياسة و لا بالاقتصاد ، تناقضات و صراعات دموية و حروب أهلية داخل الأطر الوطنية القائمة الهدف منها مزيد من التفتيت و إشاعة نموذج " التدمير الذاتي " بديلا من " التطور الذاتي " الذي كان يحلم و يناضل من أجله مجمل المجتمعات في بلدان العالم الثالث طوال ستة عقود .
لقد عانت أفريقيا السمراء خلال نفس المدة من الزمن ما لم تعانه أية مجتمعات بشرية طوال تاريخها ... فمن استعمار مباشر إلى نهب لثرواتها الطبيعية إلى تأجيج للحروب الأهلية الشرسة التي شهدت مئات المجازر الجماعية و دمارا ماحقا إلى كوارث طبيعية و مجاعات لم يعرها العالم أي اهتمام. لقد مارست الاستخبارات الامبريالية – الصهيونية أقذر الأدوار في إشاعة الفوضى و الاضطراب في تلك القارة ، ربما ثأرا منها لوقوف مختلف دولها الناشئة في خانة دول عدم الانحياز و إلى جانب الحق العربي في الصراع العربي الصهيوني منذ مطلع سبعينات القرن الماضي.
No comments:
Post a Comment